محمد بن جرير الطبري
368
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن عمرو بن دينار في قول الله تعالى ذكره : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ قال : وقع الطاعون في قريتهم ، فخرج أناس وبقي أناس . فهلك الذين بقوا في القرية وبقي الآخرون . ثم وقع الطاعون في قريتهم الثانية ، فخرج أناس ، وبقي أناس ومن خرج أكثر ممن بقي ، فنجى الله الذين خرجوا ، وهلك الذين بقوا . فلما كانت الثالثة خرجوا بأجمعهم إلا قليلا ، فأماتهم الله ودوا بهم ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم وكثروا بها ، حتى يقول بعضهم لبعض : من أنتم ؟ حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، قال : سمعت عمرو بن دينار يقول : وقع الطاعون في قريتهم ، ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو ، عن أبي عاصم . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا سويد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ الآية . مقتهم الله على فرارهم من الموت ، فأماتهم الله عقوبة ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها ، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن حصين ، عن هلال بن يساف في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا الآية . قال : كان هؤلاء القوم من بني إسرائيل إذا وقع فيهم الطاعون خرج أغنياؤهم وأشرافهم وأقام فقراؤهم وسفلتهم . قال : فاستحر الموت على المقيمين منهم ، ونجا من خرج منهم ، فقال الذين خرجوا : لو أقمنا كما أقام هؤلاء لهلكنا كما هلكوا وقال المقيمون : لو ظعنا كما ظعن هؤلاء لنجونا كما نجوا فظعنوا جميعا في عام واحد ، أغنياؤهم وأشرافهم وفقراؤهم وسفلتهم ، فأرسل عليهم الموت ، فصاروا عظاما تبرق . قال : فجاءهم أهل القرى فجمعوهم في مكان واحد ، فمر بهم نبي ، فقال : يا رب لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك قال : أو أحب إليك أن أفعل ؟ قال نعم . قال : فقل كذا وكذا فتكلم به ، فنظر إلى العظام ، وإن العظم ليخرج من عند العظم الذي ليس منه إلى العظم الذي هو منه . ثم تكلم بما أمر ، فإذا العظام تكسى لحما . ثم أمر بأمر فتكلم به ، فإذا هم قعود يسبحون ويكبرون ، ثم قيل لهم : قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني سعيد بن أبي أيوب . عن حماد بن عثمان ، عن الحسن أنه قال في الذين أماتهم الله ثم أحياهم ، قال : هم قوم فروا من الطاعون ، فأماتهم الله عقوبة ومقتا ، ثم أحياهم لآجالهم . وأولى القولين في تأويل قوله : وَهُمْ أُلُوفٌ بالصواب ، قول من قال : عنى بالأَلوف . كثرة العدد ، دون قول من قال : عنى به الائتلاف ، بمعنى ائتلاف قلوبهم ، وأنهم خرجوا من ديارهم من غير افتراق كان منهم ولا تباغض ، ولكن فرارا ، إما من الجهاد ، وإما من الطاعون . لإِجماع الحجة على أن ذلك تأويل الآية ، ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين . وأولى الأَقوال في مبلغ عدد القوم الذين وصف الله خروجهم من ديارهم بالصواب ، قول من حد عددهم بزيادة عن عشرة آلاف دون من حده بأربعة آلاف وثلاثة آلاف وثمانية آلاف . وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم كانوا ألوفا ، وما دون العشرة آلاف لا يقال لهم ألوف ، وإنما يقال : هم آلاف إذا كانوا ثلاثة آلاف فصاعدا إلى العشرة آلاف ، وغير جائز أن يقال : هم خمسة ألوف ، أو عشرة ألوف .